تطرح الباحثة سامية محمد في هذا التحليل مقارنة لافتة بين مضيقي هرمز وباب المندب، مستندة إلى تجربة حرب أكتوبر 1973، حيث توضّح كيف نجحت قوى إقليمية في فرض قيود محدودة على الملاحة دون تحقيق إغلاق كامل. وتناقش الكاتبة الفارق الجوهري بين القدرة على التعطيل والقدرة على الإغلاق الشامل، وهو فارق تصنعه الجغرافيا قبل القوة العسكرية.
ويشير تقرير هورن ريفيو إلى أن مضيق هرمز اكتسب أهمية استثنائية في ظل التوترات الحديثة، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية، ما يمنح أي تهديد بإغلاقه تأثيرًا مباشرًا على الاقتصاد الدولي.
سابقة 1973: إغلاق جزئي لا شامل
أظهرت حرب أكتوبر نموذجًا مختلفًا للتعامل مع باب المندب، إذ ركّزت القوات المصرية والجنوب يمنية على منع السفن المتجهة إلى ميناء إيلات الإسرائيلي، بينما استمرت حركة التجارة الدولية لبقية الدول دون تعطيل واسع.
واستطاعت الضغوط الدبلوماسية لاحقًا تخفيف القيود خلال أسابيع، فعادت الملاحة تدريجيًا دون تصعيد كبير. ويكشف هذا المثال أن السيطرة على المضيق لم تكن كاملة، بل اعتمدت على تنسيق سياسي وعسكري مؤقت ضمن سياق حرب أوسع.
هرمز: الجغرافيا تصنع الهيمنة
تفسّر الدراسة قدرة إيران على تهديد مضيق هرمز بعوامل جغرافية حاسمة. يضيق المضيق في نقاطه الأساسية، وتقع ممراته الحيوية ضمن نطاق قريب من السواحل الإيرانية، ما يمنح طهران قدرة على مراقبة واستهداف الملاحة بسهولة نسبية.
وتوفر التضاريس المحيطة غطاءً طبيعيًا لنشر الصواريخ وأنظمة الرادار، ما يعزز القدرة على فرض تهديد فعلي. كما تقلّص المسافات الضيقة زمن الاستجابة أمام السفن، ما يزيد من فعالية أي تحرك عسكري.
وتشير الكاتبة إلى أن القوانين الدولية، رغم ضمانها حرية المرور، تبقى محدودة التأثير عندما تواجه إرادة دولة ترى أمنها القومي مهددًا، خاصة إذا امتلكت أدوات فرض الأمر الواقع.
باب المندب: سيادة مقسّمة تمنع الإغلاق
يختلف باب المندب جذريًا في بنيته الجغرافية والسياسية، إذ تتقاسم السيطرة عليه عدة أطراف، تشمل اليمن وجيبوتي وإريتريا، مع وجود قنوات ملاحية منفصلة. ويمنع هذا التوزيع أي طرف واحد من فرض سيطرة كاملة على المضيق.
وتبرز جزيرة بريم كعامل تقسيم إضافي، حيث تفصل بين مسارين مائيين يخضع كل منهما لسيادة مختلفة. ويفرض هذا الواقع ضرورة التنسيق بين أكثر من طرف لفرض أي إغلاق فعلي، وهو أمر يصعب تحقيقه عمليًا.
وتؤكد الدراسة أن حتى القوى غير النظامية، مثل الحوثيين، تستطيع إزعاج الملاحة ورفع تكلفتها، لكنها تعجز عن فرض حصار شامل بسبب محدودية قدراتها البحرية وعدم قدرتها على مراقبة كل الممرات.
بين التعطيل والإغلاق: فرق استراتيجي
توضح الكاتبة أن تعطيل الملاحة لا يساوي إغلاق المضيق. يمكن للهجمات بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة أن تجعل المرور محفوفًا بالمخاطر، لكنها لا تمنع السفن من العبور بالكامل.
ويتطلب الإغلاق الحقيقي سيطرة متكاملة على ضفتي المضيق وقدرة مستمرة على فرض الرقابة والتفتيش، وهو ما يتوفر نسبيًا في هرمز ولا يتوفر في باب المندب.
وتدعم الوقائع التاريخية هذا الاستنتاج، إذ لم يشهد باب المندب إغلاقًا كاملًا عبر تاريخه، رغم النزاعات المتكررة في المنطقة. وبدلًا من ذلك، شهد عمليات تعطيل محدودة أو استهدافًا انتقائيًا للسفن.
يكشف هذا التحليل أن الجغرافيا تظل العامل الحاسم في معادلة الأمن البحري. تمنح طبيعة مضيق هرمز دولة واحدة نفوذًا واسعًا، بينما تفرض تركيبة باب المندب حدودًا صارمة على أي محاولة للسيطرة الكاملة. وبينما يظل المضيقان عرضة للتوتر، يختلف مستوى الخطر بينهما بشكل جذري: أحدهما قابل للإغلاق تحت ظروف معينة، والآخر يبقى مفتوحًا رغم كل الاضطرابات.

